الحرية والخبز وجهان لعملة واحدة
بقلم / أيمن عقيل
مما لا شك فيه أن الحرية السياسية والمجتمع الديمقراطي أهدافا تستحق أن تقوم من أجلها ثورات ويسقط في سبيلها عشرات بل مئات الشهداء ، فالحرية والديمقراطية حلمان يستحقان أن تدفع الشعوب مقابلهما الكثير والكثير .
والشعوب العربية كغيرها من شعوب الأرض كانت تتعطش إلى الحرية والديمقراطية خاصة و أن معظم - إن لم يكن كل – أوطان المنطقة العربية حرمت من حريتها إما بفعل الاستعمار الأجنبي لعقود طويلة ، أو بوصاية بعض من أبنائها الذين حرروها من الاستعمار الخارجي ليحكموها بالحديد والنار وكأنهم يقبضون ثمن نضالهم ، أو حتى بفعل هؤلاء الذين تصوروا أنهم يحكمونها باسم الله ، لذا فإن نذر الثورة من أجل الحرية كانت تلوح في الأفق منذ زمن .
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هل الثورات التي شهدتها دول مصر وتونس ، وتشهدها دول مثل اليمن وليبيا وسوريا والبحرين والأردن والجزائر والسودان ، ومن المتوقع أن تشهدها المغرب وعددا آخر من الدول ، أقول هل هذه الثورات مفجرها فقط نداء الحرية والديمقراطية ؟ أم أن هناك أسبابا أخرى حفزت وساعدت على ذلك ؟ والسؤال الأهم لماذا بقيت الدول ذات الدخل المرتفع كقطر والإمارات والمملكة العربية السعودية بمنأى – حتى الآن على الأقل - عن هذه الثورات ؟ .
في تقديري أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية لعبت دور محفزا لاشتعال الأحداث الثورية الأخيرة خاصة وأن الشرارات الأولى انطلقت في دول متوسطة ومنخفضة الدخل ، وتعاني من شيوع مشكلات اقتصادية واجتماعية عديدة كالفقر والبطالة وعدم الاستقرار الاقتصادي ، بل وكانت المطالب في بدايتها - في معظمها على الأقل – متعلقة بإحداث إصلاحات تفضي إلى علاج هذه المشكلات ذات الطابع الاقتصادي الاجتماعي ، ولكن وفي خضم هذه المطالبات فطن الثوار إلى أن الحرية والديمقراطية ضرورة لازمة للوصول للرفاهة الاقتصادية والاجتماعية التي يبغونها .
فالعلاقة الوثيقة بين الحرية والديمقراطية من جهة ، والرفاهية الاقتصادية والاجتماعية من جهة ثانية ، كانت أحد مدركات الثورة ، وأحد النتائج الرئيسية والمهمة لهذه الثورات المتعاقبة ، فالمواطن العربي أصبح الآن يدرك جيدا إنه لن يحصل على عمل شريف ودخل مجزي وتعليم جيد لأولاده ورعاية صحية ملائمة وكوب ماء نظيف ، بدون حصوله على حرية اختيار من يمثله في البرلمان ، واختيار رأس السلطة التنفيذية في بلده ، وامتلاك القدرة على تغيير هذه السلطة من خلال صندوق الانتخاب .
وإذا كانت هذه الرؤية انطبقت على الدول متوسطة ومنخفضة الدخل ، فإنها تنطبق بنفس القدر على الدول الأخرى التي تشهد رغدا من العيش بتأثير ثرواتها البترولية ، وسيكون من الذكاء أن يدرك حكام هذه الدول هذه الحقيقة الثابتة ، ولا يعولوا كثيرا على تقديم رشاوى لشعوبهم متمثلة في زيادات كبيرة في الأجور وإنفاق متزايد على الخدمات ، بدون أن يقطعوا خطوات كبيرة ومؤثرة في طريق الإصلاح السياسي ، والانتقال لنظم حكم ديمقراطية عصرية .
وعلى كل الحكومات العربية القائمة الآن وتلك التي ستقوم بعد تمام الثورات الجارية أن تضع نصب عينيها تلك الحقيقة البارزة التي أفرزتها الثورات وهي أن الحرية والخبز وجهان لعملة واحدة .
