شعب واحد وثلاث ديكتاتوريات

بقلم/ ولاء جاد الكريم
قرابة الألف شهيد وخمسة آلاف جريح والنوم على أرض الميادين الرئيسية في كثير من مدن ومحافظات مصر لأكثر من أسبوعين ، كان هذا هو الثمن الذي دفعناه لنتخلص من ديكتاتورية النظام السابق ونجبر رؤوسه وزيوله على الرحيل وترك خشبة المسرح ، ونضع حدا لتزييف وتزوير إرادة الشعب من خلال تمثيليات انتخابية كان النظام يصوت فيها بالنيابة عن المواطنين ليبايع نفسه ممثلا لهم وحاكما عليهم ومتحكما فيهم ، مبررا فعلته بعدم قدرتنا على الاختيار فنحن – من وجهة نظره – شعبا غير مؤهل للديمقراطية .
لذا لم يكن أبدا كثيرا على هذا الشعب الصابر والصامد أن تكون أول مكافأة يتلقاها في العهد الجديد " استفتاءا نزيها خاليا من التزوير " كهذا الذي شهدته مصر في 19 مارس 2011 ، فالشعب المتعطش لحرية الاختيار لا يرغب في أكثر من صندوق انتخابات شفاف لا يتم تغييره أو العبث بمحتوياته في المسافة الفاصلة بين لجنة الاقتراع و لجنة الفرز
ورغم إن استفتاء 19 مارس في حد ذاته - وبغض النظر- عن نتيجته كان إعلانا رسميا عن إسقاط نظام ديكتاتوري ، إلا أن الخطاب الإعلامي للنخبة وتعاطيها مع نتيجة الاستفتاء كان منذرا بأن هناك ديكتاتورية جديدة تلوح في الأفق تتخفى وراء عبارات منمقة وتحليلات سياسية منظمة وكلمات مرتبة ، كانت تختبىء تحت ملامح وجوه اعتدنا على وجودها في صفوف المعارضة الناعمة دائما والخشنة أحيانا والمتوافقة مع السلطة من خلال الصفقات المستترة غالبا .
الديكتاتورية المعنية هنا هي دكتاتورية نخبة ، نصبت من نفسها وصية على الثورة وأمينة على أهدافها ومتحدثة بإسمها ، ورغم أن معظم هؤلاء – مع كل الاحترام الواجب لهم – لم يقفزوا إلى مركب الثورة إلا عندما تأكدوا تماما أن مركب النظام على حافة الغرق ، فإنهم وظفوا انتشارهم الإعلامي الواسع والكاميرات المستجيبة لوجوههم وأصواتهم المرتفعة في إقناع الرأي العام بأن كل ثوار مصر ، والملايين العشرين الذين افترشوا ميادينها مطالبين بإسقاط النظام ، يقولون لا للتعديلات الدستورية .
وهكذا جعلوا من وجهة نظرهم عقيدة لثورة ورأيا لثوار ، وعندما جاءت نتائج الاستفتاء لتؤكد أن أكثر من ثلاثة أرباع المصوتين قالوا نعم وخالفوا رؤية بعض رموز النخبة ، اتجه هذا "البعض " إلى التفسيرات النفسية والدينية في محاولة لإقناع الرأي العام مرة أخرى بأن عموم المصريين إما واقعين تحت سيطرة قوى دينية سلفية ، أو مؤيدين لحسني مبارك ونظامه البائد ، ولم يدركوا - وهم يرددون هذه التفسيرات التي لا تتفق مع حروف الدال السابقة لأسمائهم – بأنهم يعطوا لجماعات الإسلام السياسي ونظام مبارك البائد شرعية جديدة ، وخلعوا عن الثورة رداء شرعيتها ، فبأي منطق يسقط نظام أو يحظر تنظيم يؤيده ثلاثة أرباع المصريين .
وقد تغاضى محللي ومنظري ومفسري النخبة عن حقائق بديهية في سياق بحثهم عن مبررات لمخالفة الإجماع الوطني لرؤيتهم ، من بين هذه الحقائق مثلا أن عدد المصريين المنتمين للتيارات الدينية ذات النزعة الصوفية ( التي كانت تروج لرفض التعديلات ) يكاد يكون ضعف عدد المنتمين للتيارات السلفية ( التي روجت لقبول التعديلات ) ، أضف إلى ذلك أن المشاركين في الثورة لم يكونوا فقط الملايين الأربعة الذين رفضوا التعديلات ، بل كان هناك ما بين عشرة وخمسة عشر مليونا آخرين معظمهم – بحكم منطق الأرقام – قد صوت بنعم .
ومن جانب آخر افتقدت مبررات النخبة لدعوة الناس لرفض التعديلات كثيرا من جوانب الوجاهة والمنطقية لدرجة أن كثيرا منهم وقع في فخ استخدام نفس العبارات التي كان يرددها رموز النظام السابق وتوظيف نفس الفزاعات التي لطالما روج لها أبعه ، ومن ثم أصبحت " جاهزية الإخوان المسلمين " ، " واستعداد فلول الحزب الوطني" ، و " عدم استعداد الأحزاب والقوى الليبرالية للمعركة الانتخابية " ، أصبحت هذه العبارات إجابات تساق لدفع المواطنين نحو خانة ال"لا" .
وكما كانت 25 يناير ثورة متأخرة على ديكتاتورية نظام فاقد للشرعية ، فأن نتائج الاستفتاء كانت تمثل ثورة مبكرة على ديكتاتورية نخبة أثبتت أن منطقها لا يختلف كثيرا عن منطق خصومها السابقين ، وفي تقديري أن نتائج الانتخابات القادمة ستكون ثورة ثالثة نعلن بعدها سقوط الفصيل الديكتاتوري الثالث الذي يريد فرض الوصاية على الشعب المصري باسم الدين وهو فصيل الإسلام السياسي بإختلاف طوائفه ومسمياته .
والمطلوب الآن من ال " 77"% التي يتربص بها بعض الظلاميون ونفرا من فلول النظام البائد ، وال"23 %" التي يتربص بها بعض المثقفون أصحاب المطامع والمطامح ، أن يثبتوا للفصيلين إنهم ما قالوا " نعم " أو " لا " إلا بتوجيه من ضمائرهم وحسهم الوطني ، وأن يبرهنوا بالدليل القاطع على كذب نظريات رموز النظام البائد وتحليلات النخبة غير الموفقة التي تقول بأننا شعبا غير مؤهل للديمقراطية ، وقبل ذلك وبعده عليهم أن يثبتوا للظلاميين المتربصين بالدولة المدنية أن مصر أوسع بكثير من فهمهم الضيق للدين .

Your rating: لايوجد Average: 3.9 (21 votes)